من بلد إلى آخر.. موجة غضب تعيد رسم شوارع أوروبا

تشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات تتباين دوافعها بين ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة والاعتراض على السياسات الحكومية، لكنها تلتقي عند تنامي الشعور بضعف استجابة المؤسسات السياسية لمطالب المواطنين.
وتجددت الاحتجاجات في فرنسا خلال أكتوبر، إذ شهدت تحركات في 17 أكتوبر مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب، قبل تنظيم احتجاجات جديدة في 24 أكتوبر، بمشاركة قُدّرت بنحو 410 آلاف شخص وفق الأرقام الحكومية، مقارنة بنحو 550 ألفاً في الأسبوع السابق.
وفي حين تراجعت حدة المواجهات نسبياً في بعض المدن الفرنسية، شهدت برشلونة الإسبانية اضطرابات وأعمال عنف، في مشهد يعكس تعدد بؤر التوتر داخل القارة.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية من دولة إلى أخرى، تطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة الموجة الحالية: هل هي أزمات محلية متزامنة، أم أن الاحتجاجات تشهد تقارباً يتجاوز الحدود الوطنية؟
جذور مختلفة ومطالب متقاطعة
ترى عالمة الاجتماع الإيطالية دوناتيلا ديلا بورتا أن التعامل مع الاحتجاجات الأوروبية باعتبارها حركة واحدة لا يعكس بالضرورة اختلاف خلفياتها ومساراتها التنظيمية.
ففي إيطاليا، ترتبط التحركات الحالية بنشاط طلابي وعمالي تعزز خلال الاحتجاجات المناهضة للحرب في غزة والإضرابات العامة التي شهدتها البلاد في أواخر صيف 2025 ومطلع الخريف.
وفي إسبانيا، تستند الاحتجاجات إلى سنوات من التحركات المناهضة لعمليات الإخلاء وارتفاع تكاليف السكن، وهي قضايا برزت أيضاً خلال الاحتجاجات على سياسات التقشف عام 2011.
أما في ألبانيا، فتتقاطع المطالب المتعلقة بتحسين ظروف الدراسة ومكافحة الفساد مع الاعتراض على استغلال الموارد الطبيعية لصالح مشروعات سياحية فاخرة. وفي فرنسا، تستحضر التحركات إرث احتجاجات «السترات الصفراء»، ولا سيما الانتقادات الموجهة إلى أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
ورغم اختلاف هذه السياقات، تحدد ديلا بورتا ثلاثة عوامل مشتركة بين عدد من التحركات الأوروبية: اتساع التفاوت الاجتماعي، وتراجع الاستثمار في الخدمات العامة بالتزامن مع زيادة الإنفاق العسكري، وتصاعد المخاوف من النزعات السلطوية.
كما ترى أن تكرار شعارات مناهضة الفاشية في احتجاجات دول مختلفة يعكس انتقال الرموز والخطابات بين الحركات الاجتماعية، حتى عندما تتباين مطالبها المباشرة.
لماذا يتصاعد الغضب في هذا التوقيت؟
لا يكفي تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وفق قراءة ديلا بورتا، لتفسير توقيت الاحتجاجات أو اتساع المشاركة فيها. فالغضب الشعبي يحتاج إلى شبكات تنظيمية وخبرات متراكمة من تحركات سابقة، فضلاً عن أحداث قادرة على تحويل الاستياء الفردي إلى فعل جماعي.
وفي إسبانيا، أثارت قضية المتقاعدة ماريا ديل كارمن أباسكال، البالغة 87 عاماً، اهتماماً واسعاً بعد مقاومتها إخلاء شقة عاشت فيها أكثر من سبعة عقود، قبل نقلها إلى المستشفى ووفاتها في السابع من أكتوبر.
وفي فرنسا، ساهمت احتجاجات بدأت داخل إحدى المدارس الثانوية في توسيع الاعتراض على نقص تمويل التعليم العام.
وتشير هذه الحالات إلى دور الأحداث الفردية في تسليط الضوء على مشكلات اجتماعية أوسع، بما يشجع فئات جديدة على المشاركة في الاحتجاجات. ومع نجاح التحركات الأولى في جذب الاهتمام، قد يتحول النزول إلى الشارع من مخاطرة فردية إلى نشاط جماعي يرى المشاركون فيه وسيلة للتأثير في السياسات العامة.
وتلفت ديلا بورتا إلى اختلافات بين الاحتجاجات الحالية وموجة التحركات التي أعقبت الأزمة المالية عام 2008، خصوصاً في بروز قضايا مرتبطة بإرث الاستعمار داخل المجتمعات الأوروبية والمخاوف من الحروب.
وبحسب تحليلها، يتزايد قلق الشباب من احتمال انخراط أوروبا في صراعات لا يؤيدونها، في وقت تتراجع فيه قدرة الأحزاب التقليدية على استيعاب مطالبهم وتمثيل أولوياتهم.
القمع بين احتواء الاحتجاجات وتوسيعها
يمثل تعامل السلطات مع المتظاهرين عاملاً مؤثراً في مسار الاحتجاجات، إذ يمكن لاستخدام القوة بصورة يُنظر إليها باعتبارها عشوائية أو غير متناسبة أن يزيد التضامن بين المشاركين، ويوسع دائرة الاعتراض بدلاً من احتوائه.
وتستحضر ديلا بورتا احتجاجات تشيلي عام 2019 والربيع العربي عام 2011 لتوضيح أهمية العلاقة بين التحركات الشعبية والظروف السياسية المحيطة بها، مشيرة إلى دور التحالفات مع النقابات والأحزاب والمنظمات الاجتماعية في تعزيز قدرة الحركات على الاستمرار.
وفي السياق نفسه، تبرز مسألة التوازن بين حماية الأمن العام وصون الحق في التظاهر. فالتدخل لمنع أعمال النهب والشغب يختلف عن استخدام القوة أو فرض القيود على الحريات من دون الالتزام بالضوابط القانونية والمعايير الحقوقية.
ويضع ذلك الحكومات أمام معادلة معقدة: التعامل مع المخالفات والحفاظ على النظام العام، من دون أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى عامل إضافي لتوسيع الاحتجاجات.
استجابات حكومية متفاوتة
تختلف الاستجابات السياسية للاحتجاجات الأوروبية باختلاف الدول، سواء من حيث الاستعداد لتقديم تنازلات أو التمسك بالمواقف الحكومية.
في إسبانيا، طرحت حكومة بيدرو سانشيز مشروعي قانون عاجلين لحماية المستأجرين، لكن رفض البرلمان لهما زاد اعتراض الناشطين، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بأزمة السكن واقتراب الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نوفمبر.
وفي البرتغال، أعلن وزير الشؤون البرلمانية كارلوس أبرو أموريم في 16 أكتوبر أن الحكومة لن تستجيب لضغوط الشارع، قبل أن يتبنى بعد خمسة أيام خطاباً أكثر مرونة، مع إقراره بالصعوبات التي يواجهها المواطنون.
أما في صربيا، فاتجهت الحركة الطلابية المناهضة للفساد إلى المشاركة في العملية الانتخابية، معلنة تقديم مرشحين في الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 أكتوبر، في مواجهة الحزب التقدمي الصربي الذي يتولى السلطة منذ عام 2012.
وتعكس هذه الحالات تعدد مسارات التعامل مع الاحتجاجات، بين محاولات تعديل السياسات، والتمسك بالمواقف الرسمية، والانتقال من التعبئة الشعبية إلى المنافسة الانتخابية.
تحركات جديدة واختبار لقدرة الحكومات على الاستجابة
لا تزال دعوات الاحتجاج والإضراب مستمرة في عدد من الدول الأوروبية. ففي فرنسا، دعت نقابة «سود إديكاسيون» إلى تحركات جديدة في 31 أكتوبر، فيما تستعد نقابات أخرى لتنظيم مظاهرات لاحقة.
وفي إيطاليا، يخطط طلاب لإضراب وطني في 30 أكتوبر، بينما دعا الاتحاد العام الإيطالي للعمل إلى إضراب عام في 20 نوفمبر. كما يُرتقب إضراب عام في إسبانيا في 11 نوفمبر، بالتزامن مع تحركات نقابية قد توسع نطاق التعبئة.
وامتدت الدعوات إلى ألمانيا، حيث أُعلن عن احتجاجات في 31 أكتوبر، رغم أن البلاد ظلت حتى الآن أقل تأثراً نسبياً بموجة الاضطرابات مقارنة ببعض الدول الأوروبية الأخرى.
وفي ضوء هذه التطورات، لا يتوقف مسار الاحتجاجات على حجم المشاركة أو مواعيد التحركات المقبلة، بل يرتبط أيضاً بمدى قدرة الحكومات على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذيها.
فالموجة الحالية لا ترتبط بمطلب واحد يمكن الاستجابة له بإجراء اقتصادي أو أمني منفرد، وإنما تعكس تراكم قضايا تتصل بالتفاوت الاجتماعي والسكن والخدمات العامة والثقة بالمؤسسات السياسية.
وبينما تظل لكل دولة خصوصيتها، فإن انتقال الشعارات وأساليب التعبئة والخبرات التنظيمية بين الحركات يفتح المجال أمام تقارب أكبر في الاحتجاجات الأوروبية، من دون أن يعني بالضرورة نشوء حركة موحدة تتجاوز الحدود الوطنية.
ويتمثل التحدي أمام الحكومات في الجمع بين الحفاظ على النظام العام والاستجابة للمطالب الاجتماعية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات السياسية لاستعادة ثقة قطاعات من المواطنين تشعر بأن أولوياتها لا تحظى بالاهتمام الكافي.



